المنتجات ·
التصميم في صميم السياق
علي حمندي · 21 أيلول 2026 · 6 دقائق قراءة
على مر التاريخ البشري كنا وبشكل مستمر نخترع ونطور أي شيء يدور حول تفاصيل حياتنا، نشتغل عليه شوي شوي بشكل مستمر ومكرر لحدما نوصل إلى أفضل نتيجة ممكنة وبيها فائدة حقيقية ضمن سياق حياتنا.
وهذا كان فقط من خلال تطبيق "المنطقي" ضمن السياق.
واليوم احنا نسميه "دورة تطوير المنتجات"، والشي المهم هو أن كل هذا كنا نسويه قبل أن تتم بلورة مصطلحاته ومفاهيمه حتى بشكلها الأساسي البسيط، لأن الموضوع ببساطة مكنون داخل طبيعتنا البشرية وفطرتنا الي خُلقنا عليها في الاستكشاف والتطوير الدائم.
وبعد كل التطور الي وصلناه، بقت أكو مشكلة حقيقية موجودة في اتخاذ القرارات، وبعض الي كنا نسويه غير مناسب ضمن تفاصيل وسياق حياتنا.
وبرأيي، كل هذا يتمحور حول موضوع واحد بدأ يتلاشى التفكير بيه شيء فشيء, وهو السياق
التصميم كان دائمًا موجودًا
فخلال كل فترات الحياة البشرية، "التصميم" كان موجود وكان يعتمد بشكل أساسي على السياق والمنطق الواضح.
وهذا الشي كان واضح جدًا داخل مدننا وبيوتنا وطرق تصميمها وتفاصيلها، وشلون كنا نحل مشاكل بيئتنا وجونا ونشتغل ضمن قدراتنا ومواردنا حتى نبنيها.
بس كل هذا الشي بدأ يقل الاهتمام بيه بعد ازدياد تأثير العولمة على طريقة تفكيرنا، وكان هالشي واضح جدًا داخل المجتمعات الي ما كان عدها محتوى كافي يتم نشره لخلق تأثير إعلامي يحافظ على تفاصيل حياتها، وخصوصًا خلال آخر 50 سنة.
وهنا بدينا شوي شوي نحول مدننا إلى مدن مليئة بناطحات السحاب الزجاجية، وبيوتنا إلى مساحات أصغر، وحدائقنا إلى ساحات فارغة تحتوي على عشب ما ينمو بأجوائنا أصلًا.

وخلال الوقت صار هذا هو الطبيعي والي يبحث عنه أغلب الناس، وبدينا شوي شوي نفقد الاهتمام بسياقنا.
هالشي طبعًا ما كان تأثيره مظهري فقط على مدننا وحياتنا، وإنما تعمق الموضوع إلى مشاكل وظيفية كبيرة بكلشي نبنيه.
فبناياتنا صارت تحتاج تكاليف ضخمة جدًا لتبريدها، وبيوتنا صارت الحركة بيها والاستفادة من مساحاتها أصعب.
وحتى المنتجات والتطبيقات الرقمية الي نستخدمها كانت تحتاج جهد كبير جدًا من أجل أن يتم تسويقها وإيصالها للمستخدم وتعليمه بشكل صحيح على طرق استخدامها.
كل الي كنا نحاول نسويه هو أن ننسخ تجربة خارجية بحذافيرها بدون ما نعدل عليها التعديلات السياقية المطلوبة حتى تشتغل بشكل صحيح.

التصميم الجيد يحتكم بالواقع
كل تصميم مميز على مر التاريخ، كان مميز لأن كان يشتغل ضمن سياق صحيح، أو يحاول يخلق سياق صحيح يشتغل داخله.
بحيث استخدامه، إن كان منتج، بناية، تطبيق، موقع، أو خدمة، يكون منطقي ومبني بشكل جيد يتمحور حول المستخدم مالته ويحاول يلبي احتياجاته بشكل صحيح، أو يعلمه على نمط يحسن من تجربة حياته.
ويشتغل بشكل مباشر على الاستفادة من طبيعتنا العقلية والنفسية كبشر.
وحتى يكون هذا الموضوع أوضح، أكو مثال في بالي لأحد التطبيقات المالية قبل عدة سنوات.
كان الفريق الخاص بيه يشتغل على إحدى المميزات الي سببت مشكلة كبيرة بفهم الزبون، والي الحمد لله تم اكتشافها بمراحل مبكرة من دورة تطوير المنتج.
بناء تقييم مالي للمستخدم
كان الفريق يحاول بناء عملية كاملة تساعد الشركة على وضع تقييم مالي صحيح لزبائنها، يمكنهم من الوصول إلى خدماتها المالية بالتدريج حسب مستوى هذا التقييم.
وكانت النسخة الأولى من هذا التقييم تعتمد بشكل كلي على أسئلة بسيطة جدًا هدفها بدء التواصل مع الزبون، وبعدها كان الفريق بشكل يدوي يقود عملية استحصال باقي المعلومات وترتيبها من أجل التقييم المالي.
الهدف من التطوير هو نقل هاي العملية إلى مستوى جديد يمكن الشركة من اتخاذ قرار التقييم بشكل مباشر بدون التواصل اليدوي مع الزبون، بطريقة كانت تهدف إلى تحويلها إلى عملية مؤتمتة بالكامل في نهاية الأمر.
إثبات حيوية الوجه
من تفاصيل عملية التسجيل المهمة كان "Liveness Check" أو "إثبات حيوية الوجه".
المطلوب فيها هو تسجيل فيديو لمدة 3 ثوانٍ يتم من خلاله تقييم تعابير وحركة الوجه عن طريق نموذج مؤتمت يهدف إلى اكتشاف الاستمارات المزيفة للزبائن، وكذلك يساعد على تأكيد الهوية.
ويمكن مراجعة هذا الفيديو كذلك من قبل أعضاء متخصصين عند الحاجة وبعدها يتم مسح الفيديو بشكل كامل من النظام بعد اتخاذ قرار التقييم من قبل الفريق.
الفرضية الأولى: قلل الاحتكاك قدر الإمكان
الفريق المصمم للعملية هاي طلع باقتراح أول لاختباره مع الزبائن قبل الإطلاق العام، وكان التصميم كله مبني لخدمة هدف واحد:
"عملية التسجيل طويلة ومعقدة، يجب علينا محاولة تقليل الاحتكاك التفاعلي
**Interaction Friction**مع المستخدم، فيجب أن تكون العملية كلها سلسة ومألوفة جدًا."
والفريق طبق هذا الشي من خلال تصميم واجهات عملية "إثبات حيوية الوجه" بشكل مشابه لطريقة تفعيل Face ID على أجهزة iPhone.
وكان كلشي واضح داخل الواجهات من التفاصيل الي ممكن تهم الزبون من ناحية الخصوصية ومراجعة البيانات من قبل الفرق المتخصصة عند الحاجة.
وبعد اختبارها مع الزبائن، كانت ناجحة جدًا بتقليل الاحتكاك التفاعلي مع المستخدم.
وكان المستخدم قادر على إكمال العملية بسلاسة عالية جدًا وبدون أي مشاكل تذكر.
ولكن الفريق لاحظ مشكلة.
المستخدمين كانوا متعودين على العملية بشكل كبير، إلى درجة أنهم ما كانوا يهتمون للتفاصيل بطريقة كافية.
وكانوا يعتقدون أن هذا الفيديو هو مجرد بيانات بايومترية تستخدم مثل Face ID، وبالتالي ما كانوا منتبهين إلى أي من التفاصيل الي ذكرت خلال العملية.
وبالتالي معلوماتهم ما كانت بالجودة والتفصيل الكافي، بالإضافة إلى أنهم كانوا يتعاملون مع "إثبات حيوية الوجه" باهتمام قليل.
الفرضية الثانية: الوضوح أهم من السلاسة وحدها
بعد هذا الاختبار الأول مع عدد محدد من المستخدمين، طرح الفريق فرضية ثانية هدفها:
"عملية التسجيل ستحدد التقييم المالي للعميل، والتقييم المالي يتأثر بشكل مباشر بجودة البيانات والاهتمام بتفاصيلها، فيجب علينا توضيح جميع تفاصيل العملية بشكل يوصل أهميته للمستخدم من أجل التأكيد على توفيره للمعلومات اللازمة بشكلها المناسب."
تم تطبيق الفرضية الثانية بطريقة تخلي كل جزء من العملية واضح بشكل كبير جدًا.
من خلال التعليمات والمحتوى المكتوب داخل الصفحات، وكذلك من خلال التفاصيل الخاصة بنفس تصميم المنتج والأزرار وباقي أجزاء الصفحات.
فمثلًا، الأزرار الخاصة بـ "إثبات حيوية الوجه" كانت تحتوي على نص: "البدء بالتسجيل"
بدل الاكتفاء بـ: "البدء"
وكذلك كانت تحتوي العملية على خطوات تأكيد توضح للمستخدم أن المعلومات من الممكن مراجعتها من قبل الفريق المختص.

الي لاحظه الفريق بعد اختبار التصميم الثاني هو أن جودة البيانات صارت أحسن بشكل كبير جدًا في جميع أجزاء استمارة التسجيل.
وكذلك المستخدمين صاروا ينتبهون أكثر لطريقة ملئهم للبيانات.
هاي الأمور سببت تقليل كبير بالوقت المستغرق للموافقة على انضمام المستخدمين، وكذلك خلتهم يوصلون لمميزات أكثر داخل التطبيق.
والسبب هو أن المعلومات الأفضل كانت تسمح للمنصة، والنموذج، وكذلك الفريق المختص، أن ينتجون تقييمات أحسن للمستخدمين.
لا قاعدة خارج السياق
الواضح من هذا الكلام هو شلون التوجه بالاتجاه غير المألوف نسبة للمفاهيم العامة كان أحسن من ناحية تجربة المستخدم.
وكان مناسب لسياق المنتج ونسخه الأولية ومستخدميها، بحيث ساعدهم أن يبنون ملفاتهم بشكل صحيح، وكذلك ساعد المنصة أن تقيمهم بشكل صحيح.
فالتصميم في النهاية لما كان في صميم السياق انطى أحسن نتيجة ممكنة.
